بسم الله الرحمن الرحيم
القضية الفلسطينية – الواقع
والمستقبل
==========================================
الاستاذ حمزة منصور
امين عام حزب جبهة العمل
الاسلامي
محاضرة في فرع الحزب في اربد
21/5/2002م
مقدمة :
قد لا يختلف اثنان على أن
القضية الفلسطينية أعقد القضايا وأطولها عمراً وأخطرها وأكثرها تهديداً للأمن
والسلام وأنها معيار حقيقي لتحديد مدى الانتماء للأمة .
فهي ليست نزاعاً حدودياً أو
تنافسياً على مصالح اقتصادية ولكنها صراع وجود بين أهل البلاد والوافدين اليها من
شتى أنحاء المعمورة ليس بقصد العيش الى جوار أهلها ولكن بهدف اجلاء أهلها والحلول
محلهم يحملون مشروعاً توسعياً ربطوه بتصور عقدي وأرضعوا أبناءهم هذا التصور بحيث
أصبح التفاهم بينهم وبين أصحاب الأرض وجيرانهم مستحيلاً وهذا المشروع مرتبط بأهداف
دول كبرى ومحقق لمصالحها ومن أجل ذلك جندت جهود وطاقات لانجاح هذا المشروع ومن أجل
ذلك كان وعد بلفور وصك الانتداب والاعتراف بالكيان والعدوان الثلاثي على مصر وعدوان
الخامس من حزيران والتحالف الاستراتيجي والحماية من القرارات الدولية وحصار العراق
والحملة على ما يسمّي بالارهاب وتكريس الفرقة بين أجزاء الوطن العربي وتفريغ صيغ
العمل العربي من مضمونها والتصدي لكل محاولة للنهوض بهدف توفير الحماية للكيان
الصهيوني وضمان تفوقه وتمدده . فكانت معاهدة كامب ديفيد ومؤتمر مدريد وأوسلو ووادي
عربة وأخيراً الدعوة الى مؤتمر دولي أو اقليمي .
وانسجاماً مع هذا العنوان
الذي اختير للمحاضرة فسينصب حديثي على وصف واقع القضية الفلسطينية وتحليل ما يجري
مع محاولة لاستقراء مستقبل القضية في ضوء الحقائق الايمانية والتاريخية الواقعية .
واقع القضية الفلسطينية :
مرة أخرى أكد قادة الكيان
الصهيوني النفسية اليهودية المتمثلة بالطمع والحرص والحقد على الآخر والمراوغة
والقدرة على استثمار الظروف . فبالرغم من أن اتفاقية أوسلو تشكل خطيئة تاريخية
للذين وقعوها أو وافقوا عليها أو حاولوا البناء عليها اذ أسبغت الشرعية على كيان
غاصب ومنحته الاعتراف والأمن على أربعة أخماس فلسطين وتركت مصير الخمس الآخر
للتفاوض وللزمن وفي مقدمة ذلك القدس واللاجئون والحدود والمياه والمستوطنات الا ان
الحكومات الصهيونية المتعاقبة واصلت بناء المستوطنات وتهويد القدس والمراوغة في
الانسحاب والتمسك بالقدس عاصمة موحدة للكيان ورفض عودة اللاجئين رغم التجاوب من
الطرف الرسمي الفلسطيني بالتنسيق الأمني والسياسي معه والتضييق على الشعب الفلسطيني
وقواه المجاهدة والمناضلة الامر الذي أكد للشعب الفلسطيني ان لا بديل للمقاومة
والانتفاضة فكانت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول عام الفين والتي شكل
تدنيس شارون لباحات المسجد الأقصى شرارة لها .
هذه الانتفاضة كشفت عن مدى
القدرات المعنوية والنضالية التي يمتلكها الشعب الفلسطيني وقدرته على الحاق الضرر
بالكيان الصهيوني فقد برز الشعب الفلسطيني خلالها رمزاً للصمود والتحدي والتضحية
رغم شراسة المواجهة من قوات الاحتلال وقد استطاع ان يحقق ما يمكن تسميته بتكافؤ
الردع في غياب تكافؤ القوى فقد أوقع من خلال عملياته الاستشهادية التي برعت فيها
كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس وتبعتها بعد ذلك كتائب الأقصى وفصائل أخرى
خسائر كبيرة في الانفس والممتلكات وصلت فيها خسائر الصهاينة الى نسبة 1 - 4 وهي
نسبة عالية قياساً الى المعارك التي خاضوها مع الجيوش العربية والى مدى تأثير هذه
الخسائر على النفسية اليهودية والى مدى التفوق التسليحي الهائل لقوات الاحتلال حتى
بدأ الحديث ولأول مرة حول مستقبل الكيان الصهيوني ولا سيما بعد الهجرة المعاكسة من
فلسطين المحتلة الى خارجها حيث قدر عدد المهاجرين بمليون يهودي وبعد الخسائر
اليهودية الهائلة في قطاعات شتى في مقدمتها السياحة والمقاولات والزراعة . في هذه
الاجواء وفي ظل العجز عن ايقاف الانتفاضة حيث بلغت الخسائر الصهيونية رقماً قياسياً
حيث قتل في شهر آذار 133 قتيل وجرح 700 شخص جاءت عملية الصور الواقي التي بدأها
أرئيل شارون في 29 / 3 / 2002م متخذاً من عملية نتانيا الموجعة ذريعة لعدوان شامل
على الضفة الغربية حيث فرض حصاراً شاملاً على المدن والقرى واجتاحها وأوقع فيها
خسائر هائلة شهداء وجرحى وأسرى وتدميراً شاملاً ولا سيما في جنين ونابلس ورام الله
. ونود ان نتوقف ونحن نتحدث عن عملية السور الواقي عند عدد من العناوين :
هدف العملية :
هدفت هذه العملية
بالدرجة الاولى الى تحطيم روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني هذه الروح التي تنامت
ابان الانتفاضة ومن خلال العمليات الاستشهادية التي أصبحت نهجاً في الكفاح
الفلسطيني جذب اعدادا كبيرة من الفتيان والفتيات حتى الاطفال اللذين اضطرت حركة
حماس الى مناشدتهم عدم التسرع فالمستقبل أمامهم ان استمرار هذه الروح يعني تحول
الارض الفلسطينية الى جحيم لا يطاق بالنسبة للمحتلين وهذا يفسر مدى القسوة التي
استخدمت في القتل والتلذذ بمرأى الجرحى ينزفون حتى يفارقوا الحياة والتعذيب النفسي
والجسدي للمقاومين .
والى جانب هذا الهدف وهو ليس
منفصلاً عنه القضاء على أكبر عدد ممكن من المجاهدين والمقاومين ولا سيما وقد اتضح
أن حوالي 98% من العمليات الاستشهادية المؤثرة انطلقت من الضفة الغربية وأن بعض
المواقع كمخيم جنين وبلاطة ونابلس استعصت على قوات الاحتلال بفضل وجود أعداد من
المجاهدين والمقاومين امتلكوا قدرات عالية في المقاومة والحاق الاذى بالعدو ومن هنا
فقد حرصت الحملة على ايقاع أفدح الخسائر بالمقاومة .
وبالاضافة الى الهدفين
السابقين فقد تمكن الشعب الفلسطيني من بناء بنية تحتية ترفد المقاومة والفعل
الانتفاضي بالطاقات البشرية ومن هنا فقد استهدفت الحملة المساجد والمستشفيات
والجمعيات الخيرية واللجان .
ولا ننسى أن الانتفاضة هيأت
الظروف المناسبة لوحدة وطنية فلسطينية ميدانية على قاعدة مقاومة الاحتلال تحت اسم
القيادة الوطنية والاسلامية الموحدة ومن شأن عملية الاجتياح ضرب هذه الوحدة التي
تشكل قوة حقيقية للشعب الفلسطيني .
وقد استطاعت الانتفاضة ان
تجتذب اليها بعض منتسبي الأجهزة الامنية ممن انحاوا الى الخيار الوطني ونجحت في
تطوير مواقف بعض الفصائل أو بعض أجنحتها ومن شأن هذه العملية الهائلة أن تتخلص من
هؤلاء الاشخاص أو الاجنحة أو تعيدهم الى مربع أوسلو ولا يخفى أيضاً ان الانتفاضة
نجحت في كسب التأييد والتعاضد من جماهير عربية واسلامية واسعة أصبحت تشكل ضغطاً على
الحكومات ولا سيما التي أقامت علاقات مع الكيان الصهيوني بهدف قطع العلاقات ووقف
التطبيع ومقاومة التغلغل الصهيوني . فأراد شارون من حملته التي تهدف الى القضاء على
الانتفاضة الحاق اليأس بجماهير الأمة العربية والاسلامية والتوقف عن الضغط على
الحكومات التي استجابت للضغوط الأمريكية والصهيونية وأخيراً وليس آخراً ارادت حكومة
شارون استثمار أجواء ما سمي بالحرب ضد الارهاب التي جعلت الادارة الأمريكية أكثر
تحمساً للسياسة الصهيونية وأشد عداءً لكل تنظيم أو توجه مقاوم لاعادة بناء أجهزة
السلطة بما يضمن تحقيق المصالح الصهيونية .
ايجابيات وسلبيات برزت :
الايجابيات :
-
أكدت المقاومة
وطليعتها حماس والجهاد وكتائب الأقصى قدرة عالية على الصمود والتصدي والقدرة على
الحاق الأذى والضرر بالعدو وحملته على طلب وقف اطلاق النار في مخيم جنين واستخدام
أكبر قدر من قواته وآلياته حيث تعذر عليه اجتياح بعض المناطق الا بعد تدميرها
تدميراً شاملاً .
-
أبرز الاجتياح
نماذج فريدة في القيادة والجندية والارتقاء الى مستوى نموذج السلف الصالح حيث رأينا
الصمود حتى الرصاصة الاخيرة والتعاهد على الموت
-
ازداد التفاف
الجماهير حول خيار الجهاد والمقاومة ورفضه لتفريط المفرطين والمستسلمين .
-
مني العدو بخسائر
فادحة حيث فقد في معركة مخيم جنين التي استمرت عشرة أيام ( 26 ) قتيل وأكثر من (
150 ) جريحاً .
-
حافظ الشعب
الفلسطيني على قيم العزة والكرامة حين ترفع عن المساعدات المقدمة من الولايات
المتحدة الأمريكية ورفض تسلمها .
-
أذكى صمود المقاومة
والشعب روح الاستبسال في قطاع غزة حتى اضطر العدو بعد دعوة قوات الاحتياط الى الغاء
أو تأجيل اقتحام قطاع غزة .
-
عرت هذه الحملة
الوحشية الكيان الصهيوني وكشفت عن طبيعته العدوانية الدموية السادية وفضحت دعاوى
الديموقراطية وحقوق الانسان حتى أنه رفض السماح لبعثة تقصي الحقائق التي شكلتها
الامم المتحدة بالقدوم الى جنين حتى لا تكون بداية لمحاكمة أركان الكيان الصهيوني
بتهمة جرائم الحرب .
-
عرت الموقف
الامريكي وكشفت انحيازه الأعمى لصالح العدو الصهيوني ولم تبق له أية مصداقية ولا
سيما وهو يعتبر شارون رجل سلام ويطالب بوقف العنف الفلسطيني ويحمل الفلسطينيين
المسؤولية عما يجري ويترحم بعض رموزه على ضحايا اليهود .
-
عززت مواقف القوى
الشعبية العربية والاسلامية المقاومة للتطبيع وأضعفت مواقف الدول التي تقيم علاقات
مع العدو الصهيوني وأحرجتها وأعطت فرصة لمزيد من التضييق على مصالح المطبعين
ومحاصرتها .
-
ازداد حجم رفض
السياسة الامريكية ومعارضة وجودها على الارض العربية والاسلامية وحققت القوى
الشعبية نجاحات في مقاطعة السلع والمنتجات الامريكية .
-
حسم خيار النصارى
العرب في فلسطين لصالح شعبهم وقضيتهم وشكلت كنيسة المهد محطة لتوحد أبناء الشعب
الفلسطيني في مواجهة الحصار والاحتلال .
السلبيات :
-
فقد الشعب
الفلسطيني أعداداً كبيرة من المجاهدين والمقاومين في مقدمتهم عدد من القادة الابطال
والافراد البسلاء .
-
غيبت آلاف من أبناء
الشعب الفلسطيني ومقاوميه وراء القضبان وعرضتهم لأشكال من التعذيب والاذلال .
-
كشفت عن تواطؤ مدان
بين بعض رموز السلطة والعدو الصهيوني حيث تم تسليم عدد من المجاهدين الى قوات
الاحتلال واجراء محاكمة صورية تحت حراب الاحتلال لعدد من المناضلين وحبسهم تحت
حراسة أمريكية وبريطانية واقرار سياسة الابعاد لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية
بالموافقة على ابعاد ثلاثة عشر مناضلاً .
-
كشفت عن مدى تأثير
العملاء والجواسيس في توجيه ضربات قاسية لبعض القادة والمقاومين .
-
استجابة أفراد في
السلطة لتحقيق مطالب شارون وتسابقهم لنيل مرضاته .
-
كشفت عن مدى رضوخ
الأنظمة العربية للمطالب الأمريكية والصهيونية وحرصها على تأمين الحدود لصالح العدو
الصهيوني بقتل وتجريم من يحاول تقديم دعم حقيقي للأهل في فلسطين .
القضية الفلسطينية الى أين ؟
تتواصل الجهود الأمريكية
الصهيونية لاستثمار ظروف ما بعد الثامن والعشرين من آذار لانهاء الصراع الفلسطيني
الصهيوني لصالح العدو وتتخذ هذه الجهود مسارات عدة :
على الساحة الفلسطينية :
-
تواصل قوات
الاحتلال عدوانها اليومي باجتياح المدن والقرى والخيمات وتصفية بعض المقاومين
والمواطنين أو اعتقالهم أو الحاق الأذى بممتلكاتهم امعاناً منها في تحطيم ارادتهم
وحملهم على الرضوخ لشروطهم .
-
تواصل حكومة شارون
الضغط على السلطة وتحريضها على تجريم أعمال المقاومة والفصائل المقاومة بقصد التخلص
من المقاومين بالقتل أو الاعتقال وتأجيج الصراع بين السلطة والمعارضة لضرب حالة
التوحد الميداني بين الفصائل في ظل الانتفاضة .
-
الضغط على السلطة
لاعادة تنظيم الأجهزة الامنية وفق خطة أمريكية صهيونية بهدف تطهيرها من العناصر
المنتمين لأمتهم ولاحكام السيطرة الصهيونية على هذه الأجهزة لتتحول الى أجهزة قمع
ومطاردة للشعب الفلسطيني وفصائله المجاهدة .
-اذكاء روح التنافس بين بعض
رموز السلطة لصالح تحقيق مزيد من التنازلات والاستجابة للمطالب الصهيونية تمهيدا
لتسليمها السلطة لتشكل ضمانة للمصالح الصهيونية.
ولكن هذه المطالب الامريكية
والصهيونية والقابلية للتجاوب معها من قبل بعض رموز السلطة يصطدم بعدد من العقبات:
-
تمسك بعض الفصائل
الفلسطينية وفي مقدمتها حماس والجهاد الاسلامي بخيار المقاومة ورفضها للمواقف
الرسمية الفلسطينية والعربية الداعية الى وقف العمليات الاستشهادية وترك القضية
للمؤتمر الدولي .
-
التفاف غالبية
الشعب الفلسطيني حول خيار المقاومة وهذا يفسر الاستقبال الفاتر للسيد ياسر عرفات في
جولته في بعض المدن في الضفة العربية والادانة لكثير من سياسات السلطة كالاعتقال
والابعاد وتسليم المجاهدين.
-
رفض كثير من القوى
الفلسطينية وجماهير الشعب الفلسطيني لما سمي بالاصلاح باعتبار الاصلاح لا يمكن ان
يتحقق الا بقرار وطني وعلى برنامج وطني وفي ظل اجواء تسمح بالاصلاح. فالاصلاح الذي
يجري الحديث عنه اليوم ليس الا محاولة اعادة صياغة للسلطة واجهزتها في ضوء
المتغيرات لتكون اكثر قابلية للاستجابة للاملاءات الصهيونية على طريقة حكومة كرازاي
في افغانستان.
على الساحة العربية :
ليست الساحة العربية بمنأى
عن الضغوط الامريكية فالرسمية العربية بعد الحملة الامريكية على افغانستان وفي ظل
وجود قوات اجنبية على الارض العربية وفي المياه العربية وفي ظل التلويح بمعاقبة بعض
الاقطار العربية التي صنفتها الولايات المتحدة الامريكية ضمن محور الشر .
وفي ظل الحملة الاعلامية
الامريكية الظالمة ضد بعض الاقطار العربية والتلويح بايجاد مشاكل لهذه الانظمة
بتهديد وحدتها او البحث عن بدائل لانظمتها كل ذلك جعل بعض الانظمة العربية مرعوبة
من التهديدات الامريكية فشهدت مبادرات وتحركات وعهد اليها بمهمات . فبعد المباردة
السعودية التي تم تبنيها في قمة بيروت بعد ادخال تعديلات طفيفة عليها والتي لم تصمد
امام عملية السور الواقي جاء الحديث عن مؤتمر دولي او اقليمي ورغم تباين وجهات
النظر بين تل أبيب وواشنطن حول من يدعى الى هذا المؤتمر الا انه من الواضح ان هذا
المؤتمر يهدف الى تطبيع العلاقات العربية مع الكيان الصيوني ويبقي على القضية
الفلسطينية لمفاوضات مرحلية بعيدة المدى تزداد المطالب الصهيونية خلالها يوما بعد
يوم ويفرض اليهود واقعا جديدا يصعب تجاوزه حيث يجري الحديث الان عن تغيير الحد
الفاصل بين الضفة الغربية وما وراء الخط الاخضر وربما يتم تبني نتائج تفاهمات قريع
بيريز ذات الاربعة مراحل تبدأ باقامة قوة فلسطينية واحدة تنهي تعدد الجهات المسلحة
ثم اعتراف متبادل تعترف اسرائيل بحكم ذاتي كدولة تحدد حدودها في ضوء المفاوضات
والشروع في مفاوضات حول الحدود والقدس والمستعمرات والترتيبات الامنية ثم تنفيذ
الاتفاقيات التي يتم التوصل اليها.
ومن اجل التمهيد لهذا
المؤتمر وحرصا على نيل رضا البيت الابيض انعقد اجتماع شرم الشيخ والذي يخفي بعض
الجوانب التي تم التوصل اليها الا انه شكل تراجعا جديدا عن قمة بيروت حيث دعا الى
نبذ العنف وسوّى لاول مرة بين المقاومة المشروعة وجرائم الاحتلال ويجري الحديث عن
ضغوط تمارس على بعض القوى الفلسطينية لصالح الاستجابة لنهج السلطة كما يجري الحديث
عن مؤتمر للفصائل الفلسطينية في القاهرة او الطائف .
على الساحة الامريكية :
رغم ان الادارة الامريكية
الحالية اعطت انطباعا في البداية للتركيز على القضايا الداخلية والنأي بنفسها عن
قضايا الشرق الاوسط التي أخذت من وقت الادارة السابقة الكثير ورغم سيطرة هاجس تنظيم
القاعدة وطالبان على تفكيرها واعطاء اولوية لغزو العراق الا انها وجدت نفسها
لاعتبارات بعضها يتعلق بحملتها ضد ما اسمته بالارهاب وبعضها لصالح حليفها
الاستراتيجي الكيان الصهيوني منغمسة في هذه القضية حتى التفاصيل فهي داعمة بقوة
لسياسة شارون ومصادمة تماما للمقاومة الفلسطينية ولاية توجهات للنهوض في الوطن
العربي وهي تسعى لاعادة بناء الاجهزة الامنية على يدي جورج تنيت وبتمويل منها
وداعمة بقوة لمؤتمر دولي وضاغطة على السلطة الفلسطينية وموزعة ادوار على كل من مصر
والسعودية والاردن والمغرب .
على الساحة الاوروبية :
رغم حالة التعاطف الشعبي في
كثير من الاقطار الاوروبية مع الشعب الفلسطيني اثناء تعرضه لمجازر شارون ورغم نتائج
استطلاعات الرأي العام التي اظهرت ميلا لصالح الفلسطينيين ورغم بعض التصريحات
الرسمية المعبرة عن عدم رضاها عن سياسة شارون الا ان الدور الاوروبي مازال دورا
ثانويا وتابعا للدور الامريكي الامر الذي يجعل تأثيرها محدودا الا بالقدر الذي تسمح
به ادارة بوش.
مستقبل القضية الفلسطينية :
رغم اختلال ميزان القوى بين
العرب والكيان الصهيوني ورغم ان الدور العربي الرسمي مازال محدود التأثير في الصراع
ورغم الانحياز الامريكي لصالح المشروع الصهيوني وامداده بكل اسباب القوة ورغم
التباين الكبير بين موقف الشعب الفلسطيني والسلطة الا ان كل هذه الاعتبارات لا
تحملنا على اليأس ولا تجعل المطالب الصهيونية والامريكية قدرا مقدورا لاعتبارات
بعضها فلسطينية وبعضها عربية وبعضهاصهيونية وبعضها امريكية :
أولا : فلسطينيا :
رغم الثمن الباهظ الذي دفعه
الشعب الفلسطيني عبر العقود الماضية ورغم الخذلان الرسمي من العرب والمسلمين الا ان
موقع القدس وفلسطين في عقيدة الشعب الفلسطيني ومطالب العدو الصهيوني التي لا حدود
لها ولاسيما ان هنالك شبه اجماع على القضايا الرئيسة كل ذلك يفرض على الشعب
الفلسطيني عدم الانصياع للقوة المادية الغاشمة ولا يعطي لاية معاهدة او اتفاقية يتم
توقيعها قدرة على الاستمرار .
ثانيا : عربيا :
ان الحالة العربية الرسمية
حالة استثنائية فالضعف لا يدوم واذعان الشعوب لسلطة الحكومات المستبدة لسيت حالة
مستمرة ومن هنا فان أي تغيير حقيقي في الدول العربية او بعضها كفيل بتغيير المعادلة
القائمة .
ثالثا : صهيونيا :
ان الخطر الاكبر على الكيان
الصهيوني يأتي من الكيان نفسه فان نزعة التطرف والرغبة في التسلط تشكل عامل استفزاز
يومي للشعب الفلسطيني وللامة العربية والاسلامية وربما لشعوب أخرى . كما ان المجتمع
الصهيوني نفسه حافل بالتناقضات على اسس ايديولوجية وعرقية وثقافية وصدق رب العزة
القائل "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" .
رابعا : امريكيا :
تشكل الولايات المتحدة
العامل الحاسم في دعم الكيان الصهيوني وامداده بأسباب القوة لاسباب عقدية ومصلحية
معتمدة على تفردها بالقوة وقوة اقتصادها ولكن القوة المادية التي تملكها يعتريها ما
يعتري غيرها من عوامل القوة والضعف وما مصير الاتحاد السوفيتي وريطانيا والمانيا
عنها ببعيد وقد بدت بعض النذر من مقاومة مؤثرة في افغانستان وباكستان وصراع في
جورجيا وتململ في الخليج وسخط في الوطن العربي والاسلامي ومناطق اخرى من العالم
ويترافق مع ذلك حالة من الخوف والهلع داخل الولايات المتحدة الامريكية من هجمات
تنسب الى تنظيم القاعدة وطالبان بالاضافة الى عوامل الضعف في بنية المجتمع الامريكي
لاسباب عرقية واجتماعية واخلاقية كل ذلك يجعل استمرار هيمنتها وقدرتها على حماية
الكيان الصهيوني وضمان تفوقه امرا مشكوكا فيه .
ما المطلوب في ضوء ذلك :
لا يكفي ان يحمل الكيان
الصهيوني عوامل ضعفه وان يتراجع الدور الامريكي والقدرات الامريكية لاحداث التغيير
المطلوب لان التغيير له سنن ونواميس يجري وفقها وصدق رب العز القائل : "ان الله لا
يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" . ومن هنا فان تغييرا حقيقيا على الساحة
الفلسطينية والعربية والاسلامية امر في غاية الاهمية لتحقيق وعد الله عز وجل : "وعد
الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من
قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا" وبشارة
الرسول صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فتقتلوهم حتى يقول
الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله" وفي مقدمة التغيير
المطلوب والضروري والذي لا يمكن الاستغناء عنه ما يلي :
على الساحة الفلسطينية:
التمسك بخيار الجهاد
والمقاومة سبيلا وحيدا لتحرير الارض وتحقيق الاهداف وهذا يرتب على القيادات الصادقة
في انتمائها ان تعمل على صياغة الواقع الفلسطيني صياغة جهادية تجعله قريبا من رحمة
الله "ان رحمة الله قريب من المحسنين" وأن تعزز تلاحم هذا الشعب ليكون طليعة الامة
في هزيمة المشروع الصهيوني الامريكي وان تجعل تناقضه مع اعدائه لان اخطر ما يبتلى
به شعب من الشعوب ان يكون تناقض ابنائه فيما بينهم "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحكم" وان يتم العمل على تطهير المجتمع من العملاء والجواسيس باعادة ربطهم بشعبهم
وأمتهم وتحذيرهم من عقوبة الاستمرار في موالاة اعداء الله .
على الساحة العربية
والاسلامية:
ان الواقع العربي والاسلامي
غير مؤهل لاحداث التغيير المرغوب فيه وهذا يحتم على اصحاب المشروع النهضوي للامة ان
يعيدوا النظر في مسيرتهم واولوياتهم ووسائلهم ليكونوا أبلغ في التأثير لصالح بلورة
مشروع مؤهل لهزيمة المشروع الصهيوني الامريكي ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى ما
يلي :
1-
تعزيز وتعميم
ثقافة الجهاد والمقاومة للدفاع عن قيم الامة ومصالحها ومقاومة الاتجاهات والقيم
السلبية التي تفت في عضد الأمة .
2-
ترسيخ مفهوم
القضية الفلسطينية القضية المركزية للامة وان الدفاع عنها ليس نافلة او تطوعا ولكنه
فريضة شرعية وضرورة حياتية.
3-
الربط الوثيق بين
الدفاع عن فلسطين والدفاع عن الوطن العربي لان قضيتنا واحدة وعدونا واحد وان الخطر
الذي يستهدف فلسطين يستهدف غيرها من ارجاء الوطن.
4-
اعتماد وحدة الوطن
العربي هدفا استراتيجيا لا يجوز التخلي عنه استنادا لاعتبارات شرعية تحرم علينا
الفرقة والتشتت والى ضرورة الواقع المعاصر الذي يحتم علينا التوحد لصالح حماية
الوطن ومقدراته وتحقيق الامن الشامل والتنمية المستديمة والى ان يتحقق ذلك ينبغي
تعزيز صيغ العمل المشترك على المستويين الشعبي والرسمي وابتكار وسائل جديدة واعتبار
التنسيق والتعاون يشكلان الحد الادني.
5-
تعزيز قيم الشورى
والديموقراطية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار والتصدي ليسياسات التفرد في
القرار وتهميش الديموقراطية ومصادرة الحقوق الاساسية للمواطنين باعتبار مجتمع
الشورى والديموقراطية هو المجتمع المؤهل لصياغة منهاج حياته والتصدي ببسالة لاي
محاولة تستهدف النيل من حقوق الامة ومصالحها.
6-
الاخذ بمبدأ
الاعداد لكل اشكال القوة انطلاقا من قول الله عز وجل "وأعدوا لهم ما استطعتم من
قوة" وأخذا بأسباب النصر الذي لا ينزل على الكسالى والمفرطين.
7-
الحرص على بناء
نظام اخلاقي متميز مستند الى عقيدة الامة ومبادئها يحفظ للامة وحدتها ويصونها من
عوامل التفسخ والانحلال انطلاقا من القاعدة الذهبية :
وانما الامم الاخلاق ما
بقيت فان همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
8-
تحديد المواقف
العربية والاسلامية الشعبية والرسمية من الدول والمنظمات وفقا لمواقفها من قضايا
امتنا الرئيسة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وفي ضوء ذلك ينبغي قطع جميع العلاقات
مع العدو الصهيوني وتفعيل المقاطعة العربية للحيلولة دون تغلغله في الوطن العربي
وتوظيف مقدرات الوطن العربي في خدمة مشروعه كما ينبغي اعتماد برنامج مقاطعة
اقتصادية للولايات المتحدة الامريكية نظرا لمواقفها المعادية لامتنا وانحيازها
الكامل لاعدائنا واعلانها الحرب على كل مراكز النهوض في الامة دولا وحركات وافرادا
بحجة محاربة الارهاب.
9-
اعتماد سياسة
فاعلة في دعم جهاد الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة ماديا ومعنويا وابتكار وسائل
تضمن توظيف الدعم في خدم المقاومة لا ان يحصر في القضايا الاغاثية والانسانية على
اهميتها.
10-
الوقوف بحزم
وصراحة في وجه أية محاولة فلسطينية او عربية او دولية تهدف الى تجريم اعمال
المقاومة او الربط بينها وبين الارهاب باعتبار المقاومة الفلسطينية تشكل طليعة
الامة في مشروعها المواجه للمشروع الصهيوني الامريكي .
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته