حزب جبهة العمل الاسلامي Islamic Action Front Party
                   بسم الله الرحمن الرحيم 

 
                                                                     

كلمة في يوم القدس العالمي الذي احيته السفارة الايرانية في عمان

21/11/03 م

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة

الاسـتاذ حمزة منصور

امين عـام حـزب جبهة العمل الاسـلامي

في يوم القدس العالمي الذي احيته السفارة الايرانية في عمان

يوم الجمعة الواقع في 27 رمضان 1424هـ الموافق 21/11/2003م

 

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد ،،

 

فانني أقدر لسفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية في عمان هذه الدعوة الكريمة، التي دأبت على توجيهها لثلة كريمة من أبناء هذا البلد الطيب، أردن الحشد والرباط، أردن أبي عبيدة وجعفر بن أبي طالب، والثلة الكريمة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم، الذين خرجوا جهادا في سبيل الله، فأكرم ثرى الاردن بضم اجسادهم الطاهرة، لتبقى ارواحهم الزكية، تذكي في الشعب الاردني روح الايمان والجهاد والعزة والكرامة.

والدعوة الكريمة التي درجت سفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية على توجيهها، تأتي ضمن القرار التاريخي للامام الخميني رحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرا الجزاء، باعتبار الجمعة الاخيرة من شهر رمضان المبارك يوما للقدس، يعبر من خلاله المسلمون في جميع اقطارهم عن تمسكهم بالقدس مدينة مقدسة حرة، كما كانت على مدى أربعة عشر قرنا في ظلال الاسلام.

وليس غريبا على الامام الراحل الكبير أن يحتل القدس في قلبه هذه المنزلة، فالقدس تمثل في وجدان كل مسلم القبلة الاولى، التي توجه اليها المسلمون في صلاتهم ستة عشر شهرا، والمسجد الثاني بناء بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، وأحد ثلاثة مساجد لا تشد الرحال الا اليها، ومسرى محمد عليه الصلاة والسلام ومعراجه، وبوابة السماء، وارض المحشر والمنشر، والارض المقدسة والمباركة، بصريح القرآن الكريم وهو سورة في كتاب الله . وحين نتحدث عن القدس لا نتحدث عن جزئها الشرقي فقط، ولا عن القدس بحدودها التاريخية، او حدودها الموسعة تحت الاحتلال، ولكننا نتحدث عن القدس باعتبارها عاصمة فلسطين ورمزها، فالقدس عندنا 27 ألف كيلو متر مربع، غير قابلة للبيع او المبادلة او التنازل، لانها جميعا عربية اسلامية مقدسة، شكلت على مر العصور لب الصراع بين أهلها والطامعين فيها.

ويأتي هذا البرنامج التعبوي لجماهير الامة في يوم القدس، والمؤامرة تشتد عليها، في ظل هجمة صهيونية حاقدة، يقودها شارون، عبر استمرار سياسة الاستيطان، واقامة جدار العزل العنصري، الذي يستهدف ابتلاع 55% من ارض الضفة الغربية، في مقدمتها القدس، التي تم عزلها تماما عن كل المدن والقرى المحيطة بها، هذه الهجمة الصهيونية يغذيها ويعضدها الانحياز الكامل، الذي يصل حد التطابق من الادارة الامريكية، التي تواصل دعم الكيان الصهيوني بأحدث الاسلحة المتطورة، والاموال المتدفقة، وسلاح الفيتو الذي دأبت على استعماله لحماية الدولة العبرية، من أية محاولة لادانتها في مجلس الامن، ويقابل حالة الشراسة العدوانية الصهيونية، والدعم الامريكي غير المحدود، واقع عربي واسلامي بائس، يمثل حالة الغثائية التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يوشك أن تداعى عليكم الامم كما تداعى الآكلة الى قصعتها قيل أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : لا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) فالامة ممزقة الى دويلات، معظمها فاقدة للشرعية، وكل منها منكفئ على نفسه، في محاولة لينجو بنفسه، ظانا ان تخليه عن قضايا الامة يسمح له بالاستمرار، ويحميه من المخطط الامريكي الصهيوني.

وقد اضيف الى حالة الهوان هذه في هذا العام، احتلال العراق، وسيطرة القوات الانجلو امريكية عليه، واقامة مجلس تابع، منفذ للسياسة الامريكية، دون أن يجد الشعب العراقي دعما حقيقيا من أي قطر عربي أو اسلامي الا ان حالة الهوان الرسمي في الوطن العربي والاسلامي لا تعني استسلام الأمة فهناك طلائع مؤمنة مجاهدة، تنال من العدو، وتلحق به الاذى، وصدق رب العزة القائل: (ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون) فالمقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها الاسلامية، ممثلة بحماس والجهاد الاسلامي، تؤكد كل يوم اصرارها على التمسك بالقدس، عربية اسلامية، كما تتمسك بسائر الثوابت ازاء القضية الفلسطينية، وتحقق نجاحات اربكت مخططات العدو، وافشلت سياسته الامنية، من خلال عملياتها النوعية والاستشهادية، التي أكدت ان الشعب الفلسطيني عند ثقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، حيث قال: (لا تزال طائفة من أمتى على الحق قائمين لعدوهم قاهرين لايضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قالوا : أين هم يا رسول الله؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس) .

ورغم كل المؤامرات التي تستهدف حملهم على الاستسلام، ولعل من آخرها خارطة الطريق، التي تستهدف القضاء على المقاومة، وجدار العزل العنصري، الذي يستهدف نهب الارض وكسر ارادة الشعب، وحمله على الرحيل، واتفاقية جنيف، التي تنازلت عن أجزاء من المسجد الاقصى، وصادرت مبدأ السيادة عليه، وأعطت للعدو اجزاء من الجزء الشرقي من مدينة القدس، وصادرت حق خمسة ملايين لاجيء في العودة الى وطنهم وبيوتهم، رغم كل المؤامرات التي تشارك فيها اطراف عربية ودولية، الا ان المجاهدين يؤكدون أنهم جديرون بقول الله عز وجل: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين) . واذا كانت المقاومة الفلسطينية تمثل حالة نهوض للامة على ارض فلسطين، فان حالة مشابهة على ارض لبنان، ممثلة بالمقاومة الاسلامية، قدمت نموذجا رائعا لكل طلاب الحرية، والساعين للاستقلال، حيث تمكن حزب الله، مدعوما من بعض قوى الخير، في مقدمتها الجمهورية الاسلامية الايرانية من ارغام العدو على الانسحاب، فاستعاد لبنان معظم أرضه المحتلة، وها هو حزب الله يقود من موقع العزة والاقتدار جهود تحرير مزارع شبعا، كما يقود عملية تفاوض لتحرير الاسرى اللبنانيين والعرب، ليرسم بذلك نهجا في التفاوض، يعلم المفرطين بالحقوق الوطنية كيف يكون التفاوض مع العدو.

والى جانب هاتين الطليعتين في فلسطين ولبنان، هنالك طليعة ولدت كبيرة على ارض العراق، أدركت بوعي وبصيرة، أن قوات الاحتلال جاءت لتبقى، ولتفرض هيمنتها لا على العراق وحده، وانما على المنطقة برمتها، ومن هنا فلا سبل للتعامل معها الا بالمقاومة، هذه المقاومة، التي أفشلت مخططات العدو، وهزت صورته، وأوقعته في أزمة، يصعب الفكاك منها، ولاسيما مع الخسائر الفادحة، التي يدفعها يوميا من جنوده وآلياته وهيبته.

هذه النماذج في فلسطين ولبنان والعراق، تؤكد أن الخير باق في هذه الامة، وأن المستقبل لهذه الأمة،حين تفطن الى عناصر قوتها، وتوظف هذه العناصر في خدمة مشروعها، ويؤمئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

ويسجل للامام الخميني رحمه الله، أنه كان عميق النظرة ازاء القضية الفلسطينية، وعظيم الادراك لخطورة الكيان الصهيوني، والدور الامريكي، فهو لم ير في الكيان الهصيوني الا غدة سرطانية، ينبغي استئصالها. وان امريكا هي الشيطان الاكبر، وهذا التوصيف ينطلق من حقائق ايمانية راسخة لدى الامام، يستحضر فيها عداوة اليهود، التي عبر عنها القرآن الكريم بأفصح بيان: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ). كما يستحضر وقائع السيرة النبوية وغزوات بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير وخيبر، ويستحضر الافساد الذي عبر عنه القرآن الكريم في سورة الاسراء (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) . ولا يقيب عن باله الدور الصهيوني في كل بلد ابتلي بالصهاينة، حيث يؤكد بعض الباحثين، ان اوروبا دعمت وعد بلفور للتخلص من شرور اليهود في المجتمعات الاوروبية، ومثل هذا عبر عنه الرئيس الامريكي الاسبق بنيامين فرانكلين، أثناء مناقشات الدستور الامريكي: "اذا لم ننص في الدستور على اخراج اليهود من بلادنا فسيحولونا الى عبيد في مزارعهم وسيلعننا احفادنا في قبورنا ... " هذا الوعي المتميز من السيد الامام رحمه الله هو الذي ينبغي ان تنطلق منه الامة، والا فان الخطر داهم، ولن يقف عند حدود القدس وبغداد .

أيها الاخوة ..

ان من الوفاء للقدس، ولروح الامام الخميني صاحب فكرة يوم القدس العالمي ان نسأل انفسنا على الدوام ماذا قدمنا للقدس؟ وماذا نقول لربنا غدا؟ وأعتقد أننا قادرون على أن نقدم الكثير، حتى في ظل اختلال موازين القوى، فقد حقق اخواننا المجاهدون على ارض فلسطين توازن الرعب، في ظل غياب توازن القوى. ولا أرى قضية يمكن ان يلتقي عليها المسلمون مثل قضية القدس، لانها سورة في كتاب ربهم، وصفحة في سفر نبيهم عليه الصلاة والسلام. فالقدس كانت المحرك لعماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، الذين كان شعارهم كيف ابتسم والصليبيون في بيت المقدس ..؟ وكانت المحرك لقطز وبيبرس، ليهزما جيش المغول، الذي لم يصمد أمامه شيء في زحفه العظيم، ولكنه تحطم على مشارف القدس في معركة عين جالوت.

وعلى طريق تحرير القدس، وهو حتمية ايمانية، بصحيح حديث خير البرية: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فتقتلوهم حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله) على هذا الطريق نستطيع أن نقدم الكثير من مواقعنا ومن هذا الكثير :

1- التصدي لمشاعر اليأس والاحباط التي يحاول الساسة المهزومون، وأصحاب الاقلام المأجورة، ترسيخها في قلوب الامة، لترفع الراية البيضاء، وهذه المهمة مهمة مقاومة عوامل اليأس والاحباط، مهمة العلماء المخلصين، والمفكرين الاصلاء، والكتاب الملتزمين، والاعلاميين المنتمين لامتهم، ولدى هؤلاء رصيد ضخم من الحقائق الايمانية والتاريخية والواقعية، تجعلهم قادرين على بعث الامل في النفوس، بامكانية الصمود، وحتمية النصر باذن الله.

2- التصدي لكل سياسات ومحاولات التطبيع والاختراق، فالعدو لم يتخل عن مشروعه "حدودك يا سرائيل من الفرات الى النيل" ، وتغلغل اليهود في العراق، في ظل الاحتلال، شاهد على ذلك، وربما يوسع العدو هدفه، ليصبح من الحيط الى المحيط، وهذه مهمة كل المخلصين، على اختلاف مواقعهم، وان التساهل في هذه القضية، سيمكن الغدة السرطانية من التمدد والانتشار ولات ساعة مندم. فالمشاريع الاقتصادية المشتركة، والبرامج العلمية والثقافية، وفتح السفارات والممثليات، والدعوة المدانة التي وجهها أصحاب بعض المكاتب السياحية خلال هذا الشهر، لنقل المصلين الى القدس للصلاة في المسجد الاقصى، تدخل ضمن سياسات التطبيع، التي تسبغ الشرعية على الكيان الغاصب، وتسهم في فك عزلته، وتصب في خدمة اقتصاده، الذي مني بخسائر كبيرة بفعل ضربات المقاومة وانتفاضة الاقصى المبارك .

3- تقديم كل اشكال الدعم للشعب الفلسطيني المرابط، الذي يعيش أقسى الظروف، في ظل سياسة حرب الابادة، التي يشنها العدو الصهيوني، وحالة الحصار الخانق التي يعيشها الشعب، ولاسيما بعد استجابة كثير من الانظمة للاملاءات الامريكية، بدعوى محاربة الارهاب وتجفيف منابعه.

4- اعطاء الاولوية لدعم المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، باعتبارها تمثل أنبل من في الامة، لتعزيز صمودها، وتطوير فعالياتها، في ضرب أهداف العدو، لانها تمثل حصن الامة، الذي اذا ما اخترق اصبحت الطريق امامه مفتوحة، لتحقيق مزيد من اهدافه الشريرة .

5- تكثيف الضغوط الشعبية، على الانظمة للسير بخطى حثيثة من أجل تنسيق الجهود والمواقف لنصرة القدس وفلسطين، على طريق تحقيق الوحدة، التي تشكل الركيزة الثانية، بعد الاعتصام بحبل الله، لتحرير الاوطان، واقامة المجتمع، الذي صنعه هذا الدين ذات يوم، حيث وصفه الله تعالى بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وصدق الله العظيم القائل : (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

                      

للأعلى^

powered by durar.web