حزب جبهة العمل الاسلامي Islamic Action Front Party
                   بسم الله الرحمن الرحيم 

 
                                                                     

دراسة في وثائق شعار الاردن اولا

03/04/2003 م

بسم الله الرحمن الرحيم

حزب جبهة العمل الاسلامي

دراسة في وثائق شعار الاردن اولا

 

 

اولا : نظرة عامة على الوثيقة:

أ-  حول الشعار والمفهوم :

اذا كان حب الوطن فطرة بشرية ـ ومبدأ حياتي وفكرة راسخة ، تغذيها جميعا العقيدة ، وتعمقها التربية والثقافة ، وخاصة الاسلامية ، فان وضعه – أي الوطن – في مقدمة الاولويات وعلى راسها ، وفي مركز الاهتمام وبؤرة الانتماء ، وتوجيه جل الجهد الباني والعمل المنتج لخدمته ، يعتبر من مقتضيات التفكير السليم والمنطق السديد ، وضرورة الوجود واستمراره سواء على مستوى الفرد او الجماعة ، وحيث ان هذه المفاهيم والسلوكيات لم تكن مفتقدة لدى ابناء شعبنا، ولان الاردن كان دوما الاول في دائرة انتمائنا واهتماماتنا وحدبنا ، فاننا في الحركة الاسلامية مقتنعون بانتفاء الحاجة لمثل هذ1 الشعار ، اذ لا يوجد فراغ يملؤه ، او فريضة منسية يذكر بها ، بل جاء فيما نرى استباقا لاحداث او توقعات في المنطقة العربية في غاية الخطورة لاسيما في فلسطين والعراق ، والذي يجعل منه مقدمة لتبرير مواقف وسياسات ، قادمة تمثل حالة من الانعزال والابتعاد ، عن قضايا الامة بدعوى الحفاظ على مصالحنا، لا تقبلها جماهير شعبنا الاردني، اذ تأسس الاردن ككيان عربي، بتركيبة سكانية تمثل مزيجا عربيا. وقد ادت الجغرافيا السياسية له ومازالت تؤدي دورا اساسيا في صياغة مرتكزاته السياسية والاجتماعية وتوجهات أهله، وانتمائهم العربي الاسلامي، ويعزز ذلك انه اثناء العدوان الثلاثيني على العراق عام 91 ، تدفقت قوافل الشباب على مراكز التعبئة والتجنيد للتطوع وبشكل عفوي ، دفاعا عن الاردن عندما شعرت ان امنه وسيادته مهددان من قوى خارجية معادية، بحيث يحتل أمن الوطن واستقراره المقام الاول والاهم في وجدانها ، دون وجود للشعار المرفوع اليوم ، وكم كان هذا التوجه صادقا وجليلا عندما خرج من الوجدان محفوفا بنبل الضمير ، ومع كل هذا الانفعال والتفاعل التلقائي ، كان الشعور العالي بالمسؤولية ، فلم يحصل أي فعل سلبي مهما كان حجمه ازاء الممتلكات، وهو ما يتكرر في التعبير عن موقفه ازاء قضية فلسطين والقدس والانتفاضة المباركة، او كلما المت بالامة مصيبة او هددها عدوان.

 

ب – تشكيل الهيئة :

لقد شكلت الهيئة على طريقة غير تلك التي تشكل عليها امثالها ، من الهيئات التي يناط بها مهمة وضع منظومة من المبادئ والمفاهيم حول قضية ما او مجموعة من القضايا، لتحظى بتوافق وطني وتكون في منزلة عقد اجتماعي، سواء في الاردن او في الاقطار الاخرى عربية او غير عربية، حيث استبعدت عنها الاحزاب الممثلة لمختلف التيارات السياسية  والنقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني واكثر الشخصيات الوطنية ذات الخبرة السياسية والقيادة الفكرية والتي هي في موقع متقدم من التقدير والاحترام، وبذلك من المستبعد ان يخرج منها ما يرقى الى مستوى العقد الاجتماعي او يكتسب صفة التوافق الوطني .

 

ج – دستورية الوثيقة :

صحيح ان الوثيقة ليست قانونا او شرحا للدستور ، الا ان المقترض بها ان لا تخالف روحه على الاقل ، اذ انه من حق كل مواطن الانتماء الى حزب او جمعية سياسية يعبر عن توجهاته الفكرية والسياسية وليس من حق احد ان يحول دون انتمائه لحزب ما في اطار هويته الفكرية، ما دام هذا الحزب ملتزما بالدستور والقانون ، حيث تنص المادة 16/2 في الدستور " للاردنيين الحق في تأليف الجمعيات والاحزاب السياسية على ان تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية ذات نظم لا تخالف احكام الدستور " من هنا يصبح الهجوم على الافكار ، ومطالبة الاحزاب بالتخلي عن ايدلوجياتها ، وتوسيع قاعدة المؤسسين الى درجة تحول دون ان ينضوي العديد من المواطنين في احزاب معينة وقي تاطير فكري يستهويهم ويقنعهم ، كل ذلك يصبح عملا غير دستوري واعتداء على حقوق المواطنين وحرياتهم ، علاوة على انه غير منطقي كما أنه يستهدف تفكيك الاحزاب والجماعات في النتيجة . ونحن في حزب جبهة العمل الاسلامي، نرى في هذه الدعوة ، واستمرار الهجوم على الاحزاب والقدح بها ، مشروعا لعزل القوى السياسية الفاعلة في المجتمع وتهميش اثرها، ولعزل الاسلام عن الحياة، ومحاصرة دور العقيدة والدين والاخلاق العربية الاسلامية في صياغة هوية المجتمع وقيمه، ومزيد من العلمنة وتحييد الاسلام في التاثير في ادارة وتوجيه شؤون الحياة والذي يأتي متزامنا مع مشاريع العولمة الثقافية الامريكية، وهو ما يرفضه الدين  لانه يعطل مساحة واسعة من مبادئه وشريعته ونظمه . كما يتنافض ذلك مع مواد الدستور التي تنص على ان دين الدولة الاسلام ، وان الشعب الاردني جزء من الامة العربية ، فكيف تفعل هذه المواد اذا منع ابناء الشعب الاردني من تشكيل احزاب او جماعات على اسس دينية وانتماءات عروبية، او منعوا من التفاعل مع قضايا الامة ؟ اذ انه في مثل هذه الحال لا يكون الشعب جزء من الامة،  رغم وضوح النص الدستوري في هذه القضية.

 

د-  مدى اهمية الوثيقة والحاجة اليها :

ان اغلب ماتضمنته الوثيقة من نقاط او اشارات ايجابية ، وردت في الدستور ، كما ان هناك توجيهات عديدة منها في كتب التكليف للحكومات المتعاقبة او في ردودها عليها ، ولكن الغالبية العظمى منها لم تنفذ رغم مرور السنين ، فالحديث عن التنمية السياسية ، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة ، ومحاربة الفساد ، والمحافظة على الوحدة الوطنية يتكرر في البيانات الرسمية، ولكن المسيرة العملية والممارسة الواقعية تقدم ادلة كثيرة على اتجاهات معاكسة ، واذ1 كانت الوثيقة قد اشارت اشارة عابرة الى الانتماء العربي الاسلامي للاردن ، او ترسيخ مفهوم المواطنة ، وان المعارضة للسياسات وليست لثوابت الدولة ، وغيرها مما ورد في المحور الاول ، فان ما جاء في الدستور والميثاق الوطني قد عبر عنه بدقة اكبر وبصورة افضل ، وان كثيرا من الاختلالات الناشئة قد تسببت بها السياسات والتطبيقات الرسمية ، التي لم تلتزم بالتشريعات الواردة ، فهل ستكون الوثيقة وما لحقها من رد حكومي عاصما من هذا الخلل او مانعا لذاك الفشل ؟ كما لم تخل الوثيقة من غمز او اتهام لمؤسسات المجتمع المدني دون دليل، واما الضوابط والمحددات لسلوك الاحزاب ، فقد تضمنها قانون الاحزاب، كما أن الاحزاب صاغت انظمتها الاساسية حسب الدستور والقانون .

ان الوفاق الوطني لا يحققه شعار ولجنة تشرحه وتبسط مفاهيمه وانما الالتزام بالحقوق والواجبات ومصالح الوطن العليا التي قررها الدستور واتفق عليها الناس وفي مقدمتها احترام ارادة الشعب ، وحقه في السلطة وفي ادارة شؤونه العامة وتقرير مصيره .

ومن جهة اخرى فقد جاءت مطالب الوثيقة من الحكومة – في اغلبها – في صيغ وعبارات انشائية يصعب قياسها ، او هي من الاعمال الاعتيادية لاي حكومة – الا ما جاء متعلقا بالتشريعات الخاصة بالمرأة وهو فيما نرى استجابة لمطالب خارجية – ان هذا وغيره ، يؤكد انتفاء الحاجة لهذه الوثيقة وفي الوقت نفسه يؤكد اهمية الحاجة الى ارادة سياسية حقيقية للاصلاح والتنمية والتزام صادق بروح الدستور ومصالح الوطن العليا .

 

ثانيا - الديمقراطية :

أ-  تحدثت الوثيقة عن موضوع الديمقراطية والمؤسسات والآليات الاهم التي ترمز اليها وتخدمها ، حيث اشرت على انقطاع البرلمان وحله ، وضعف الكتل السياسية وقوانين الانتخاب، وهذه تحسب للجنة،  كما اشارت الحكومة في ردها على انها تعتبر الديمقراطية نهج الحياة الامثل وتدرك الحاجة الى تعميقها والتوعية بمبادئها ، واذا كانت الحكومة تعطي الديمقراطية هذا الموقع العالي والاهمية الكبيرة ، فكيف تصدر اكثر من 120 قانونا مؤقتا في فترة لا تتجاوز العام دون توفر الشروط الموضوعية التي حددها الدستور؟ بل تستعد لاصدار قوانين مؤقتة جديدة في مقدمتها قانون للانتخابات وآخر للاحزاب ؟ وكيف يمكن ان تكون هناك ديمقراطية حقيقية عندما تهمش المشاركة والقوى الشعبية الى اقصى مدى ؟ علما بان جوهر الديمقراطية تحقيق سلطة الامة، وهذا لا ينسجم مع وجود قانون انتخاب  يحجم القوى الفاعلة في المجتمع ويضمن للحكومة اغلبية كبيرة ، ولا مع قوانين وتعليمات يتم من خلالها تعيين اغلبية مجالس الحكم المحلي التي كانت تنتخب بالكامل من عشرينييات القرن الماضي، ويعجب القارئ للوثيقة من الحديث عن التنمية في الشباب واشراكهم في الشؤون العامة بينما تصر الحكومة على مصادرة حق الشباب في اختيار المجالس والاتحادات التي تمثلهم في الجامعات. وهي بهذا تنقلب على الانجازات التي حققها شعبنا خلال السنوات الماضية، وتتراجع عن المستوى المتقدم الذي حققه في مجال الحريات والديموقراطية في المنطقة العربية بعد ان كان في مقدمة الدول العربية على الاقل، والذي اكسبه تقديرا وتأثيرا يفوق حجمه ومقدراته.

ب -  البرلمان  :

اختزلت الحكومة  كل الاجراءات التي اقترحتها الوثيقة والمتعلقة بالبرلمان الى تشكيل لجنة تدرس وترتب لوصول المرأة الى البرلمان، متجاهلة سلامة التمثيل وتحقيق العدالة وضمان مشاركة اوسع، وغاب عنها ان ضعف المشاركة مرده الى غياب العدالة وعدم سلامة التمثيل وفي غياب هذه المبادئ وفي ظل الممارسة الخاطئة يبقى الحديث عن النزاهة والشفافية مجرد ادعاءات ، لا يقتنع بها احد، علاوة على حق حل البرلمان في اي وقت وتغييبه لاصدار هذا العدد الهائل من القوانين المؤقتة، وكأن الاردن قد عاش طوال العقود الماضية في فراغ قانوني لا تعرفه الدول!! وان الحديث عن استقراره نوع من العبث!! واذا كان الامر كذلك فلماذا يحل البرلمان وتؤجل الانتخابات ؟!

ج -  النقابات المهنية والمنظمات الاهلية :

بدا الحديث في الوثيقة بالتاكيد على دور النقابات كبيوت خبرة ودورها الاقتصادي والاجتماعي، وعبر معدو الوثيقة عن ضيقهم من اصطباغ النقابات المهنية بلون سياسي ايدلوجي معين ، وكانهم يريدون للنقابي ان ينسلخ من ثقافته وهويته ، ويصبح آلة انتاج فقط وهو تعبير آخر عن رفض – العقائد والافكار – سواء في النقابات او الاحزاب او غيرها ، وقد اوردت الوثيقة عدة اجراءات مقابلة لما طرحته من تحديات .

ان المتأمل في هذه الاجراءات وموقف معدي الوثيقة من الايدلوجيا ، يخلص الى ان القصد هو الحد من الوجود الاسلامي ، والكف عن الاهتمام بالقضايا العربية والاسلامية ، ومراجعة قوانين النقابات لا يقصد منها الا تحقيق هذين الهدفين ، وقد تجاوبت الحكومة مع هذه الدعوة واعلنت عن عزمها على المراجعة الشاملة للقوانين وتشكيل لجنة لتحديد العلاقة مع النقابات . وتنظيم حوار نتائجه معلومة سلفا ونقابة المهندسين اولا، وبذلك تخطو الحكومة خطوة اخرى نحو استكمال برنامجها ، في الوصاية على الشعب ، والهيمنة على مؤسسات المجتمع المدني، واحتكار السلطة وكل شؤون ادارة الوطن ، وكيف يمكن ان تتحقق الديمقراطية وتكون قيم الحياة الامثل عندما تسن التشريعات ، وتوضع الاجراءات لمحاصرة تيار معين ينطلق من عقيدة الامة ، ويعتز بانتمائه لدين الشعب ويمثل هويته الثقافية ، وفي نقابات مهنية ، ما زالت تمثل في ممارساتها افضل صورة للديمقراطية في هذه البلد ، وهي السياسات نفسها في الجامعات الرسمية او تلك المتعلقة بانتخابات المجالس المحلية والبلدية، واذا كان ما اورده بعض كتاب الحكومة من مطالبة لمنع قيام احزاب على اسس دينية تمثل توجهات لديها فان هذا يعني ان الحكومة على وشك الاعلان الحرب على الاسلام، واقحام المجتمع في دوامة من العنف والخراب، وهل تريد استنساخ تجارب فاشلة ، ومدمرة في بعض البلدان العربية والاسلامية ؟ وهل يبقى بعد ذلك شرعية دينية لاي جهة ؟  

د - الحريات العامة وحقوق الانسان :

فقد اشارت الوثيقة الى حقوق الانسان وضرورة مراجعة تشريعاتها ، ولم يرد شيء يذكر في رد الحكومة التي تراجعت في فترة وجودها هذه الحقوق والحريات العامة ، بصورة فاقت فترة الاحكام العرفية بدرجات، حيث تراجعت مكانة الاردن في هذا المجال محليا واقليميا وعالميا. ولم يتوقف هذا التراجع عند حد حتى الآن ، وعلى الرغم من اعلان الحكومة في ردها انها تعتبر الديمقراطية هي نهج الحياة الامثل ، لكنها في الواقع تعتبر الشعب قاصرا وتمارس عليه الوصاية القاسية .

هـ – الاحزاب السياسية :

اشرت الوثيقة على اهمية الاحزاب في العملية الديمقرطية كما اشرت على تحديات تواجه الاحزاب – حسب الوثيقة – مثل الشرذمة ، اوعزوف المواطنين عنها وغياب البرامج والتمسك بالشعارات ، … الخ واقترحت عدة اجراءات للمعالجة ـ والمتأمل لهذه الاجراءات يجد ان معظمها متضمن في قانون الاحزاب ، و الاخرى لا تضيف شيئا ذا قيمة واما الفقرة التي تريد ان يكون مفهوم الاردن اولا شعارا هاديا للاحزاب وناظما لبرامجها ـ فقد اقحمت اقحاما فالهادي للاحزاب والناظم لبرامجها هو الدستور وقانون الاحزاب ونظمها الاساسية ، ويبدو ان بيت القصيد في موضوع الاحزاب هو محاولة دمجها من خلال رفع عدد المؤسسين، وتحويلها الى مجرد كتل سياسية بغير عقائد ومبادئ ثابتة ، والتضييق على حزب جبهة العمل الاسلامي ، من خلال بعض الاشارات ، واذا كانت الحكومة قد عبرت عن عزمها على ارساء القواعد لمأسسة  الحوار مع الاحزاب الوطنية فانها لم تشر الى أي تغيير في قانون الانتخاب – بوابة الاصلاح السياسي -  والذي يعطي الاحزاب ثقلا وتمثيلا ، أو دعم المشاريع والافكار العديدة التي قدمتها الاحزاب  وخاصة احزاب المعارضة منها ، رغم الانتقادات الشديدة لقانون الصوت والواحد المجزوء، والمطالبات الشعبية الواسعة لتعديله طوال عقد من الزمن، وكم ساقت الحكومة من مبررات لم تقنع بها احدا لتاجيل الانتخبات النيابية الا انها سارعت للتاكيد على اجرائها بعد خطاب وزير خارجية امريكا عن الديمقراطية في المنطقة العربية .

و - الصحافة ووسائل الاتصال :

لا يمكن ان تكون هناك ديمقراطية حقيقية او معقولة دون صحافة حرة واعلام مستقل ، واذا كانت هذه الفقرة في الوثيقة قد احتوت بعض الايجابيات ، كالتأكيد على ان يكون الاعلام اعلام دولة ووطن وتعدديا ، وتمكين وسائل الاعلام من الوصول الى مصادر المعلومات ، وتمكين الاحزاب والفعاليات السياسية من المنابر الاعلامية فان السؤال الذي يبقى قائما وملحا هو ما الذي يضمن ذلك ؟ وهل خلت كتب تكليف الحكومات او بياناتها السابقة من هذه التوجهات ؟

وقد توقفت الحكومة عند الفقرة التي تطالب وسائل الاعلام ان تكون معبرة عن مفهوم الاردن أولاً، واكدت على تنظيم حملة توعية ، ومراجعة التشريعات ـ وتشجيع التعددية واحترام الرأي واعتماد المهننة والانفتاح … وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في كل المجالات… ونتساءل هنا أي قطاع خاص تريد الحكومة تشجيعه ؟ واي انفتاح تقصد ؟ وما هي ضوابطه ؟ وهل ستبقي على قانون الاعلام والنشر وقانون العقوبات اللذين وضعا لخدمة مرحلة عرفية ؟ .

 

ثالثا  – القضاء :

كما ان القضاء هو احد السلطات الثلاث التي تشكل نظام الحكم في أي بلد ، فانه الضابط لسياسات الحكم ، ولحدود السلطات الاخرى في تعاطيها مع حقوق المواطنين وواجباتهم ، كما انه ملاذ الضعفاء ـ والمظلومين ونزاهته واستقلاله ، قاعدة العدل الذي هو اساس الملك ، الا ان المواطن العادي في بلدنا يحس بهيمنة السلطة التنفيذية على القضاء كما ان ممارسات وقضايا عديدة هزت ثقته به ، وافقدته كثيرا من الطمانينة ، فاصدار عشرات القوانين المؤقتة في غياب مجلس نيابي ، يمثل اراداة الامة ، والزام القضاء بالتعامل من خلالها ، والتوسع في المحاكم العسكرية والقضايا الامنية علما بأن محكمة امن الدولة محكمة غير دستورية، والذي يسيء الى سمعة الاردن والقضاء على مختلف الصعد، اوصل الناس في مختلف القطاعات الى تلك الحالة المقلقة حقا ، وان التحديات المذكورة في هذا البند والاجراءات المقترحة لها ، لا تقدم جديدا ، حيث انها تتكرر في كل كتاب تكليف للحكومة او بيان لها ، اما ما يتعلق بانشاء المحكمة الدستورية ورغم ان هذا المطلب ملح وضروري الا ان العبارة التي اشارت اليه ، ضعيفة وتسويفية ، وهي تشير الى دراسة امكانية انشاء المحكمة الدستورية ، وجاء رد الحكومة بنفس المستوى من خلال اشارتها الى اتخاذ الاجراءات اللازمة لدراسة امكانية انشاء محكمة دستورية .

 

رابعا - المدارس والجامعات والشباب :

ما زالت المناهج الدراسية تتعرض  للتعديل والتغيير  لتنسجم مع استحقاقات اتفاقية وادي عربة ، واشتراطاتها من الجانب الصهيوني ، فهل سيجري عليها الآن تعديل اخر لينسجم مع الحملة الامريكية لتعديل المناهج في المنطقة العربية بحجة صياغة الشباب وفقا لمفهوم الاردن اولاً ؟ وهل هذا فقط هو ما يحتاجه الشباب الذين يتعرضون لحملة تهميش سياسي وافساد اخلاقي وتحييد فكري  ؟ .

 

خامسا – القطاع الخاص :

 هل تريد الحكومة تحقيق مزيد من الجباية من خلال مشاركة القطاع الخاص ؟ وهل مجرد مطالبة هذا القطاع بالالتزام بمفهوم الاردن اولا سيدفعه الى مزيد من الاستثمار والبذل في الوقت الذي تشتد فيه القبضة الامنية والاجراءات القمعية  ضد المواطنين ، وتغيب فيه الشفافية وتضمحل فيه قيم العدل والكرامة الوطنية ويستشري فيه الفساد ؟ وهل ستحارب الحكومة الفساد والمحسوبية بميثاق شرف ؟ وهل تعتقد انه يمكن محاربة هذا الفساد بغير مناهج تربوية ترتكز على قيم الايمان والعقيدة؟ كما لا ينبغي فصل ما يحدث في المجتمع من تفكك اخلاقي وتراجع قيمي وسلوكي واقتصادي عن استحقاقات وادي عربة والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

 

سادسا -  الخلاصة :

لقد جاء شعار الاردن اولا في سياق تاريخي وسياسي في المنطقة العربية يجعل منه دعوة للقطرية والانعزالية والانكفاء على الذات ، وان الوثيقة التي عبرت عنه مفهوما وآليات تؤكد هذا البعد بشكل جلي ، حيث انصبت معظم الآليات المقترحة في الوثيقة ، وفي رد الحكومة على المفهوم الذي اشارت اليه قوى المعارضة ، ويؤكد ذلك غياب الحديث او الاشارة الى العلاقات الاردنية العربية والاسلامية وخاصة في الاليات لتوحي بأن ذلك يتناقض مع  شعار الاردن اولا. كما اهملت الوثيقة من حيث المنطلق الاستناد الى دين الامة وعقيدتها الناظمة لهوية الوطن الحقيقية .

وواضح ان مفهوم الشعار وتطبيقه من خلال الآليات المقترحة يمثل فرصة لدى بعض الجهات التي ضاقت ذرعا بالاحزاب والعقائد والافكار والمبادئ لتحقق رؤيتها في افراغ مؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاحزاب والنقابات من الايدلوجيا لتصبح مجرد كتل سياسية او اجتماعية بغير لون فكري او امتداد قومي او اسلامي ، تتفكك وتتركب ، حسب المصالح المتقلبة والمتغيرات المؤثرة والمتوالية، الذي يناقض مواد الدستور التي تنص على ان دين الدولة الاسلام والاردن جزء من الامة العربية .

وهذا في حد ذاته يؤكد الدعوة الانعزالية في وقت يزداد فيه شعور الدول والشعوب العربية بخطورة سايكس بيكو واحتمال تفكيك الجامعة العربية، وفي حقبة عالمية تتجه فيها الدول نحو التكتلات القوية الكبيرة لمواجهة متطلبات العولمة وتوحش القوى العظمى وهيمنتها العالمية. وتقدم الوثيقة رؤية وبرنامجا للتضيق على الحركة الاسلامية في مختلف المواقع ، وفرض مزيد من القيود على العمل الحزبي ومصادرة دور النقابات السياسي ، دون ان تلتفت الحكومة الى ان تفاعل مختلف القطاعات بالشان السياسي وشمول هذا الهم للمجتمع كله بمؤسساته المدنية وشرائحه الاجتماعية المختلفة ، يعكس حالة من القلق ، وعدم الطمانينة للادارة الرسمية ولغياب العدل والديمقراطية ، ووجود التهديدات الخطيرة للامة حاضرا ومستقبلا ، هوية وثروات ، في ظل حالة الهزيمة والتشرذم والتبعية والتخلف ، وفقدان الثقة بالانظمة او الحكومات، وابتعادها الكبير عن طموحات الشعوب وتطلعاتها ـ او معتقداتها وثقافتها ، مع معاناة معيشية صعبة ـ كل ذلك يصبغ الاهتمامات والمشاكل بالصبغة السياسية ، ويضعف توجيه الاحزاب والمؤسسات نحو التخصص والابداع فيه، والذي لا يمكن ان يتم بشكل سليم الا بعد الحصول على الحقوق الاساسية لكل مواطن، معيشة ، وعدلا ، وحريات ، وكرامة ، وبغير التوجه الصادق والجهد الامين ، لحل المشكلات من جذورها ، وبمشاركة الشعب الفاعلة وقواه الحية والمخلصة وارجاع السلطة للامة من خلال منهجية صحيحة والذي يشكل اهم قواعد الاصلاح السياسي، بغير هذا ستبقى كل الشعارات والامنيات والوثائق والخطط مجرد تكتيكات مؤقتة  او ملهاة لتمرير مرحلة معينة، الامر الذي يفاقم ازمة الثقة بين الشعب والحكومات، وغيرها من الازمات الاخرى، ويعطل كثيرا من الطاقات المبدعة ، والفعاليات الكفؤة ـ ويبقي المجتمع في حالة دوران في حلقة مفرغة ، وان مما يبعث في النفس الحزن والقلق ، غياب دور الشعب وارادته وحقوقه في اغلب ما يطرح من مفاهيم او توجهات وآليات ، بل ان ما يشاهد من ممارسات رسمية في ادارة شؤون الوطن وما يصدر من الحكومة من تشريعات يؤكد منهجية الوصاية والاستخفاف بالشعب وحقوقه ومؤهلاته وكل ذلك يجعل المستقبل قاتما محفوفا بالشك والقلق ، ولم ترتق الوثيقة الى التعبير عن هذه الافاق والرؤى لعدة اسباب من أهمها : الاختلالات الكبيرة في تشكيلة الهيئة المكلفة بوضعها.

وأخيرا فأن استحضار وادراك خطورة المرحلة يستدعي مبادرة صادقة تعيد الامور الى نصابها والحقوق الى اصحابها، وتفسح المجال للمشاركة الشعبية الحقيقة في وضع السياسات العامة، وفي ادارة شؤون الوطن الداخلية والعلاقات الخارجية. وبعكس ذلك فان الامور مرشحة للمزيد من التدهور والتفكك، ولا تجدي الاجراءات المتأخرة ، ولات حين مندم لا قدر الله .

                      

للأعلى^

powered by durar.web